سعيد عطية علي مطاوع

93

الاعجاز القصصي في القرآن

وحركاتهم ، ويترك لنا نحن التعرف عليها من طرق تفكيرها ونهج أعمالها وسبحات روحها حتى لكأنها الشخص الذي نعاشره منذ زمن فعرفنا خلقه ومزاجه وطوايا عقله وحنايا فؤاده 143 . وهذا المذهب سمة فنية محضة ، وهو بعينه غرض للقصص الفني المجرد - وها هو ذا القصص القرآني ، ووجهته الأولي هي الدعوة الدينية ، يلمّ في الطريق بهذه السمة أيضا ، فتبرز في قصصه جميعا ، ويرسم بضع " نماذج إنسانية " من هذه الشخصيات ، تتجاوز حدود الشخصية المعينة إلى الشخصية النموذجية 144 . ومهما تكن صورة هذه الشخصية فإنها بطبيعة الحال هي التي تحرّك الأحداث ، وتضطرب بها ، أو تقوم الأحداث نفسها بتحريك الشخصيات ، أو تتساوق وتتوازن ، فلا تطغى الشخصية علي الحدث ، ولا يطغى الحدث على الشخصية 145 . فالقرآن حرص علي إحداث الترابط الوثيق بين الشخص والحدث مع الوحدة في أخلاقيات الشخصية فلا تتغير ملامحها ، أو تبهت صورها فلا تقوم علي وجه واحد دون اضطراب أو تناقض أو تبديل وتحوير 146 . لذلك لم يعن القرآن برسم الخطوط الشكلية للشخصية ، وإبراز ملامحها الخارجية ، كما يفعل بعض المولعين بالقصّ ، فيذكرون مثلا لون الشعر والعينين ووصف الفم والأنف والجبين ، وتشبيه نبرات الصوت والمشية ، وتفسير نظرات الفرح ، والحزن والغضب ، وابتسامات البراءة والمكر والسخرية ، ونحو ذلك من الأوصاف الفيزيولوجية التي تجعل الشخصية كأنها ماثلة للعيان ، لأن ذلك كله لا يخدم أي غرض ديني من أغراض القصة القرآنية ، وإنما يكشف القرآن عن مزاج الشخصية ، وعن دوافعها وانفعالاتها ، وسلوكها من خلال الوصف ، أو سرد الأحداث بصورة عرضية لم تقصد لذاتها بالأصالة 147 . الأشخاص والأبطال : إن القرآن الكريم ليس مجرد تاريخ أنبياء ولا تاريخ ملوك ، فمن الأنبياء من أغفل